التصنيفاتمقالات مختارة

ملة إبراهيم أم ملة نجدة الحروري ؟!

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فكما قال القائل :
وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لاتقر لهم بذاك

بعد أربعة عشر قرنا من قرون الإسلام العظيمة المتخمة بالخير والخيرين ، والمفعمة بالعلم والعلماء وأئمة الدين والعقيدة والتوحيد ، وأساطين الولاء والبراء والبذل والعطاء ؛ خرجت لنا نوابغ فمن سمى نفسه بالسلفي ومن لقب نفسه بالأثري ومن دعا نفسه بالموحد وكلما ابتدع مبتدع لقبا ابتلعناه له وخرجنا له بعض التخاريج التي لاتسمن ولاتغني من جوع ..
ومن تنكب جادة العلماء ومنهجهم حتما يزيغ ولو سمى نفسه نبيا ورسولا
عن ابن عَبَّاسٍ رضي اللُه عنهما : أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رِجَالٌ أموالَ قَوْمٍ ودِماءَهُمْ ”.
والدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء

واليوم وقبل سنوات قلائل بزغ لنا مصطلح جديد وكأنه دين آخر أهله مميزون عن أهل الإسلام وكأنهم لم يعجبهم ملة محمد صلى الله عليه وسلم فرغبوا عنها إلى ملة إبراهيم وكأنهما ملتان مفترقتان !! والحقيقة أنهما ملة واحدة قال تعالى : (ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين)، ولكنهم في الواقع أتوا بملة مبتدعة هي ملة نافع بن الأزرق ونجدة الحروري وشبيب وغزالة ومن لف لفيفهم .. ملة التكفير وإخراج المسلمين من دائرة الإسلام واستباحة دمائهم فما أن تجد أحدا سمى كتابته ملة إبراهيم إلا وجدت الكتابة تطفح بالكفر والتكفير وما أن تجد جماعة تسمي نفسها ملة إبراهيم إلا تجد أول مقاصدها التكفير والتنفير وما أن تجد معرفا أو مجموعة على وسائل التواصل باسم ملة إبراهيم إلا وتجد أسها ورأسها وجسدها التكفير والتكفير …..إلا من رحم الله
وإن أنسى فلا أنسى تلك المرأة الساقطة دينا وأخلاقا التي كانت من سفهاء حملتنا على الغلاة وقد كان معرفها ملة إبراهيم !!

وعندما ترجع إلى كتابات العلماء الأكابر وما أثر عن سلف الأمة فلا تجد فيها هذا الهوس التكفيري الذي يصيب بالغثيان كل من اشتم رائحة العلم الشرعي ..
فيا ملة إبراهيم المظلومة لك الله ..
تجد ولدا عاقا مبتدعا زائغا .. كان مسلما عاصيا مقصرا بالأمس .. فدخل على مجموعة ملة إبليس المسماة ملة إبراهيم كذبا وزورا .. فقرأ أو سمع شبهات نافع بن الأزرق وعبد الله بن إباض المري وابن الأصفر وابن عجرد وجماعة حروراء والنهروان فيكفر نفسه ثم ينشئ إسلاما مبتدعا جديدا يسمي فيه نفسه بالموحد ويكفر أباه وأمه وإخوانه وأعمامه وأخواله وجيرانه ورفقاءه وخلانه ويلعن علماءه وأئمة دينه ويتقذر لسانه ويسوء خلقه وكأنه تفجرت في نفسه ينابيع الخبث والخبائث ..
فيخرج وقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .. وقد كان في دائرة المسلمين فأوشك أن يخرج منها بل ربما خرج فعلا .. وخسر دنياه وأخراه .. وماذلك إلا لأنه اتخذ الغراب دليلا كما ضل الخوارج من قبل تركوا علماء زمانهم وفقهاءه واستمعوا لجهال شراذم غروهم بزخارف من القول وطرحوا عليهم الشبهات وكلمات الحق التي أريد بها الباطل ونزلوا القرآن الوارد في الكفار على أهل الإسلام ..
ومن يكن الغراب له دليلا يمر به على جيف الكلاب

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : (إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن ، حتى إذا رؤيت بهجته عليه ، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك ) ، قال قلت يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي ؟ ، قال : ( بل الرامي ).
قد كان بارا بوالده وأهله فإذا به ينعتهم بالمرتدين ولابد له من البراءة منهم والغلظة عليهم ولولا الخوف من العاقبة لقتلهم لايخشى في الله لومة لائم فهو على ملة إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم … وكفرنا بكم أي كفرناكم هكذا علمه الحمار أقصد الغراب الذي اتخذه دليلا له فمر به على جيف الكلاب أي على كذب الأقوال وترهاتها مخالفا إجماع المفسرين وأهل اللغة أجمعين أكتعين أبصعين
عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال : ( كان يراهم شرار خلق الله ، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين ).
وينطلق الأبله الغراب الأعور ومن ورائه العميان فيأتي بما ورد في عهد الصحابة في حروب الردة فينزل ما ورد فيها من أحداث على أمة الإسلام اليوم ضاربا عرض الحائط بكون هؤلاء مرتدين بإجماع علماء عصرهم الذين هم خيار الأمة وقاتلوا المسلمين على ردتهم هذه ‘ بخلاف أمة الإسلام التي لم يكفرها إلا هو أو حمار مثله لا لهم في العير ولا في النفير وما هم في فلاة إلا ضرطة عير وبعرة بعير..
تجده يسوق آثارا لا أزمة لها من روايات الكذابين والتالفين من الإخباريين المهم يشم فيها رائحة التكفير العفنة فيضفي عليها أنواع البخور من العود والعنبر ليزين بها بدعته الشنعاء ويظنها الجاهل بناء وهي قصور في الهواء .
إن ملة إبراهيم وملة محمد صلى الله عليهما وسلم واحدة وهي الإحسان والرفق واللين والحب والتألم على القريب الكافر الأصلي المعاند المعرض عن دين الله إعراض القبول فكيف بمن تدعي أنت ردته ولما يوقف شرعا وتقام عليه الحجة وينظر فيه قضائيا وتستوفى فيه شروط التكفير وتنتفي فيه موانعه ؟؟
أنت لو أحدثت ما تستطيع أن تفتي نفسك ما الذي يجب عليك أفتفتي نفسك في تكفير مسلم ؟؟
ملة إبراهيم هي التي جعلت إبراهيم عليه السلام يتحنن إلى أبيه صانع الأصنام إمام الكفر لعل الله يهديه .. وهي التي جعلته يحسن إليه في مقابل إساءته له وطرده .. وهي التي جعلته يستغفر له حتى مات بل استمر في الشفقة عليه حتى عرصات القيامة ..
( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا 42 يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا 43 يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا 44 يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا 45 قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا 46 قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا).
ويوم القيامة حين يلقى أباه ، وعلى وجه أبيه الغبرة والقترة فيقول : يا إبراهيم ، إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك . فيقول : أي ربي ، ألم تعدني ألا تخزني يوم يبعثون ؟ فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ؟ فيقال : انظر إلى ما وراءك ، فإذا هو بذيخ متلطخ ، أي : قد مسخ ضبعانا ، ثم يسحب بقوائمه ، ويلقى في النار .
وأنت لو على ملة إبراهيم فكن مثله ماعدا فقط في الاستغفار لأبيك لو مات على الكفر المجمع عليه الثابت عليه شرعا لا المبتدع من قبلك أنت ! فلو مات على ذلك لاتستغفر له ولكن ابك عليه وتألم لفراقه واحزن على حاله إذ مات ميتة أهل النار واحرص على زيارة قبره لترقق قلبك .
هذه هي ملة إبراهيم وهي ملة محمد صلى الله عليهما وسلم إن كنت تريدها لا ملة إبليس والحرورية
هذا الغراب الذي تتبعه فيمر بك على الجيف لماذا لم يكمل لك آيات البراءة والتي ختمت بقوله تعالى :
(لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
فأهلك لو كانوا كفارا أصليين _ وليسوا مكفرين من قبلك وقبل غرابك _ لهم عليك حق البر والصلة والإحسان والحب الجبلي مالم يقاتلوك على دينك .. أما الغلظة وإظهار العداوة فهي للمحارب المقاتل الذي يخرجك من دارك ويستبيح دمك لأجل دينك
نقول يسيرة تأملها لترى ملة أبيك إبراهيم التي هي ملة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم
لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، فقال : ” أي عم ، قل : لا إله إلا الله . كلمة أحاج لك بها عند الله ، عز وجل ” . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانه ، حتى قال آخر شيء كلمهم به : على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” لأستغفرن لك ما لم أنه عنك .
فلآخر لحظة يخاطب عمه بالأدب واللين والرفق يرجو إسلامه ولكن هيهات مات على الكفر فلم يرده ذلك عن الاستغفار له حتى نهاه الله سبحانه فقط عن الاستغفار لا عن الحب الجبلي والشفقة والحزن عليه .
وعن بريدة قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب ، فصلى ركعتين ، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم ، وقال : يا رسول الله ، ما لك ؟ قال : ” إني سألت ربي ، عز وجل ، في الاستغفار لأمي ، فلم يأذن لي ، فدمعت عيناي رحمة لها من النار .
وفي لفظ عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر ، فجلس إليه ، فجعل يخاطب ، ثم قام مستعبرا . فقلنا : يا رسول الله ، إنا رابنا ما صنعت . قال : ” إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي ، فأذن لي ، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي ” . فما رئي باكيا أكثر من يومئذ .
وعن ابن مسعود نحوه وفيه : فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة ، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنها تذكر الآخرة
وفي رواية عن ابن عباس : فدعوت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة ، فأبى الله أن يأذن لي ، فرحمتها وهي أمي ، فبكيت .
هذا في امرأة مشركة ماتت على الكفر يا جماعة ملة إبراهيم …
وصح عن ابن عباس في قوله ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين): كانوا يستغفرون لهم ، حتى نزلت هذه الآية ، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ، ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا .
هذا حال الصحابة جميعا يستغفرون لأهليهم من المشركين لما في قلوبهم من الحب الجبلي والرحمة بهم حتى يموتوا على شركهم وكفرهم فيمسكون عن الاستغفار لهم
وعن سعيد بن جبير قال : مات رجل يهودي وله ابن مسلم ، فلم يخرج معه ، فذكر ذلك لابن عباس فقال : فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ، ويدعو له بالصلاح ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى شأنه .
عن عطاء بن أبي رباح قال : ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا ؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا على المشركين ، يقول الله ، عز وجل : (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين).
أهل القبلة يا أهل ملة إبليس ..والمشركون عند عطاء هم المشركون بإجماع الأمة وليس مشركي ملتكم
و (أهل القبلة) كل من استقبل القبلة في صلاته ويشمل كل أهل الأهواء والفرق الضالة ممن ينتسب للإسلام
يقول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ : “من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته ” رواه البخاري
فإن وقع في مكفر مجمع عليه فلايزول عنه الاسم والحكم حتى يقاتل على ماوقع فيه من كفر أو يقر بردته أو تثبت عليه شرعا وقد بينا ذلك مرارا في مؤلفات عدة بما لامزيد عليه فليراجعه من شاء .
فاحذر هداك الله دعاة البدعة الذين تهيأت لهم أدوات الضلال والإضلال بفضل الثورة المعلوماتية فلم يعد يعجز الجاهل أن يكتب في قوقل كلمة كفرت وتكفر وتكفير وكفر فيأتيه كم هائل من النقول ينسخ منها ما يوافق هواه واعتقاده الباطل دون فهم ووعي ضاربا بالعلماء وشروحهم عرض الحائط ثم يأتي لأي من وسائل التواصل فيفتتح له مجموعة ويضيف فيها كل من يقدر عليه ويتجمع عليه الجهلة ومرضى القلوب كما يتجمع الذباب على براز المصاب بالإسهال فيوافق سمه الناقع هوى في النفوس وحقدا دفينا سببه واقع الأمة الأليم فيزيغ الزائغون ويضل الضالون ولاحول ولاقوة إلا بالله
أَتَاني هَواها قبلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى فصادَفَ قَلْباً خَالياً فَتَمَكّنَا

وينسى هؤلاء أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ويغفلون عن قوله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون) ويخالفون قوله سبحانه: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ).
عن قتادة: ” ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم “، يقول: إلى علمائهم
وقال صلى الله عليه وسلم : (العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر )

وأتمثل بقول الشاعر :
مَحَضْتُكَ النُّصْحَ عن خُبرٍ وتَجرِبـةٍ واللهُ سُبحانَـهُ الهادي إلى الرَشَدِ

وبقول الآخر :
محضتك النصح فاسلم غير ذي سقم وأصدق النصح ما قد فاض من ألم

والحمد لله رب العالمين

الشيخ الدكتور محمد بن رزق بن طرهوني

 

شارك المقال