التصنيفاتمقالات مختارة

كتاب “براهين وجود الله في النفس والعقل والعلم” للدكتور سامي عامري.. من أروع الكتب

لا يستغني الخائضُ في غِمار الحوار “الإيماني-الإلحادي” عن هذه الموسوعة الفذّة، التي أبدع في صِياغتها الرائع “الدكتور سامي عامري” مُعوِّلًا على مخزونٍ معرفيٍ هائل، وطول نفس في التأليف، ورشاقة أسلوبية عذبة، وهندام أدبي بديع.

ويحسُن جدًا بالقائمين على إعداد المناهج التعليمية والمتخصصين في دراسة القضايا الفكرية والعقدية -على العموم- ودارسي الفكر الإلحادي -على الخصوص-، أن يرتكنوا إلى هذا الكتاب، وأن يُضَمّنوه مناهجهم التدريسية، وأن يَعُدّوه واحدًا من أمهات الكتب المُبلوِرة لأهم خصائص السِّجال الإيمان-الإلحادي.

ولا أقصد بذلك أن أحصر قيمة الكتاب في الجانب الأكاديمي بالطبع، ولكن الكتاب لن يؤتي ثماره المرجوة إلا بأن يُدرَس دراسة نظامية متعمقة تحيط بجوانبه الكثيرة المتشعبة.

أحب أن أشبه كتاب براهين وجود الله بالبوتقة التي مُزجت فيها ألوان شتيتة من العلوم والمعارف البشرية، وتماهت في بعضها البعض، وتجانست حتى كأنها كلٌّ واحدٌ لا فرق بين أبعاضه، ثم سُخّرت بعد ذلك من أجل غاية واحدة، غاية هي أعظم غايات الوجود، بل هي غاية الوجود الأولى والأخيرة، ألا وهي العرفان بالذات الإلهية العلية، والبحث عنها في كل ركن من أركان هذا الكون، واستبيان نورها الشَّعَّاع في كل رجًا من أرجاء هذه الدنيا، حتى لَتسير النفس بعد ذلك في الأرض وهي لا تسمع إلا أصوات الخلق تهتف باسم الخالق وتدعوا إلى الإيمان به، والإرتكان إليه جل جلاله.
يذكرني ذلك بقول الشاعر إبراهيم البديري:

إلم تكن عيني تراك فإنني ** في كل شيء أستبين علاك.

لتحميل الكتاب بجودة عالية: هنـــا

للتحميل بمساحة أقل: هنـــــا


محتوى الكتاب:

مهّد الدكتور سامي عامري -قبل أن يقدم أجوبته على سؤال “ما هي براهين وجود الله؟”- بمدخل معرفي مهم، بين فيه طبيعة الأسئلة والوجودية ومشروعيتها والحاجة الماسة إلى معالجتها والبحث عن أجوبتها برُشد واتزان لمسيس صلتها بالإيمان وعقيدة الإنسان. ورسم في هذا الباب الإطار العام للسجال الإيماني-الإلحادي؛ بأن وضح أهم المواقف العقدية من قضية وجود الله، ولفت إلى صفات البرهان المقنع، بأن ذكر الأدوات التي يعتمد عليها لصياغة هذا البراهان، و ناقش حجية تلك الأدوات وثقلها الدلالي. ثم تناول الجانب المعرفي للمعتقد الإلحادي بالنقد والاستشكال.

ثم شرع الدكتور فيما بقي من فصول الكتاب، يُشيد صرحًا برهانيًا متماسكًا، قوامه مجموعة كبيرة من البراهين والدلائل المتنوعة غاية التنوع والمتعاضدة فيما بينها لإثبات أحق الحقائق في الوجود، حقيقة وجود الله.

وديدن الدكتور في عرضه لهذه البراهين، هو أن يبدأ بطرح صيغة البرهان مُجمَلًا، ثم يتناول المفاهيم المتعلقة بهذا البرهان بالتفصيل، بحيث يحل إشكالاته ويُجلي غوامضه، ثم يعرض الاعتراضات والنقود الموجهة لهذا البرهان ويجيب عليها، ثم يسوق أمثلة حية من أعلام الإلحاد الخانعين لهذا البرهان الراضخين لسطوته.

تنوعت البراهين التي قدمها الدكتور سامي: بين البراهين الحُضُورية الذاتية مثل برهان النزوع الفطري والبرهان الأخلاقي وبرهان الجمال، وهي براهين تجأر من أعماق أعماق الإنسان وتصدح من دفين نفسه وروحه، وتشده شدا إلى الإذعان لسطوة الإيمان بالله في ذاته، و بين البراهين الحصولية الموضوعية مثل برهان الوجود وبرهان المعنى وبرهان الضبط الدقيق والبرهان الكسمولوجي (برهان الخلق)؛ وهي براهين يصرخ بها الكون خارج نفس الإنسان.
وكلا الضربين من البراهين له أثره في هداية النفس العطشى إلى حقيقة هذا الوجود وركيزته الأساسية. وقد أجاد الدكتور في عرضها عرضا موسوعيا مفصلا، يضيق بنا المقام عن محض التلميح إليه.
أما بالنسبة إلي، فقد كان برهان الجمال أبلغ البراهين أثرًا في نفسي وأغشمها سلطانا على روحي. فهل هناك أجمل من حديث الجمال، وهل هناك ما هو أبلغ دلالة على رب الجمال من برهان الجمال؟

مميزات الكتاب:

ولكي لا أبخس الكتاب حقه، وأنتقص قدره في مراجعتي هذه، رأيت أن ألفت إلى بعض الملامح الرئيسية التي ميزته عن غيره من المصنفات في هذا الباب، ومن هذه الملامح:

١- الموسوعية
أهل الدكتور سامي فرط مطالعته لأدبيات اللاهوتيين والملاحدة، وتشعب قراءاته في مجالات العلوم ومباحث الفلسفة، أن يتناول موضوعات كتابه بشيء من الإحاطة الشاملة لمعظم جوانبها ومتعلقاتها.

٢- التأصيلية
لا يكتفي الدكتور سامي بسياقة البرهان تلو الآخر وحشدها في هيأة البنيان المرصوص دون التأصيل لدلالة البرهان و البيان لأوجه حجيته. بل يغوص بالنظر والبحث في القضية المطروحة إلى أعمق جذورها، ويعرض أبجدياتها الخام، ثم يخضعها للتدريج المنطقي حتى تصب في تلك البوتقة الإلهية التي سبق لنا ذكرها.

٣- النظامية
رغم التشعب الشديد لموضوعات الكتاب، ودسامة محتواه، إلا أن خارطته التنظيمية العامة تساعد القارئ على الإلمام بشتات موضوعاته والإحتفاظ بالصورة العامة لمحتواه في ذهنه.

٣- جمالية الأسلوب
لعل أكثر سبب جذبني إلى هذا الكتاب، وأعانني على الإستمرار في قراءته رغم طوله، هو جمال الأسلوب الأدبي للكاتب، وحسن صياغته وصكّه للمصطلحات الغريبة والأنيقة في آن واحد.

شكر الله للدكتور سامي عامري جهوده الجبارة، سواءً في هذا المؤلف أو غيره من مؤلفاته البديعة، وأثقل ميزان حسناته كما أثقل هو رفوف المكتبة الإسلامية بأجود الكتب وأنفسها.

كتبه محمد بلال

شارك المقال