مَرْحَبًا .. دَعُونِي أُحَدِّثْكُمْ عَنْ نَفْسِي قَلِيلًا، فَرُبَّمَا يَخْفِتُ ذَلِكَ الْأَلَمُ الَّذِي يَعْصِرُ قَلْبِي..

أَنَا سَيِّدَةٌ مِنْ سَيِّدَاتِ الْمُجْتَمَعِ الرَّاقِي، كُنْتُ شَابَّةً مَلِيئَةً بِالطَّاقَةِ وَالْحَيَوِيَّةِ وَالنَّشَاطِ، أُحِبُّ الْحُرِّيَّةَ وَأَعْشَقُهَا.

جَاءَتْنِي الْحَيَاةُ خَاضِعَةً كَمَا أُرِيدُ، فَحَصَلْتُ عَلَى كُلِّ مَا كُنْتُ أَطْمَحُ إِلَيْهِ، وَفَعَلْتُ كُلَّ مَا أَحْبَبْتُ دُونَ تَرَدُّدٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ أَحَد.

وَمِمَّا سَهَّلَ عَلَيَّ هَذَا الْأَمْرَ أَنَّ عَائِلَتِي لَمْ تَقِفْ يَوْمًا فِي طَرِيقِي، وَلَمْ أَجِدْ مُعَارَضَةً مِنْ أَحَدٍ.. لَا أَبَ وَلَا أَخَ وَلَا حَتَّى زَوْجٌ، لِأَنَّ جَمِيعَ زِيجَاتِي فَشِلَتْ أَوْ فِي الْحَقِيقَةِ أَنَا أَفْشَلْتُهَا.

أَرَدْتُ أَنْ أَكُونَ حُرَّةً، أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ وَقْتَ مَا أُرِيدُ، وَلَمْ أَقْبَلْ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ سُلْطَةٌ تَمْنَعُنِي مِنْ فِعْلِ مَا أُرِيدُ.. حَتَّى الْإِنْجَابُ كَانَ فِي نَظَرِي عَائِقًا قَوِيًّا سَيَمْنَعُنِي مِنْ تَحْقِيقِ أَحْلَامِي وَاسْتِقْلَالِيَّتِي!

نَظَرْتُ بِاسْتِعْلَاءٍ لِكُلِّ صَدِيقَاتِي اللَّوَاتِي غَرِقْنَ فِي عَالَمِ الزَّوْجِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.

وَمَرَّتِ السَّنَوَاتُ تِلْوَ السَّنَوَاتِ، جَاءَنِي فِيهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ كَوْنِي مُسْتَقِلَّةً وَقَوِيَّةً.

وَمَعَ مُرُورِ الْأَيَّامِ، بَدَأْتُ أَفْقِدُ أَحِبَّتِي وَأَفْرَادَ أُسْرَتِي، فَمِنْهُمْ مَنْ غَيَّبَهُ الْمَوْتُ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَيَّبَهُ السَّفَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَشْغَلَتْهُ الدُّنْيَا بِالْأَوْلَادِ وَالْمَسْؤُولِيَّاتِ وَتَبِعَاتِ الْحَيَاةِ، لَكِنَّ اللَّحْظَةَ الْمُؤْلِمَةَ الَّتِي أَيْقَظَتْ فِي فُؤَادِي صَرْخَةَ الْحَقِيقَةِ، حِينَمَا اِلْتَفَتُّ إِلَى نَفْسِي وَأَنَا أُطْفِئُ شَمْعَةَ السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِي وَحِيدَةً فِي الْمَنْزِلِ دُونَ أَهْلٍ أَوْ أَصْدِقَاءٍ.. فَأَيُّ مُصِيبَةٍ تِلْكَ!

تَجَوَّلْتُ فِي الْمَنْزِلِ كَالطَّرِيدَةِ بَاحِثَةً عَنْ أَيِّ ذِكْرَى أَوْ أَيِّ أَمَلٍ، هَلْ بَقِيَ مَنْ أَحَدٍ هُنَاكَ؟ فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الْأَحْلَامَ قَدْ سَقَطَتْ فَجْأَةً، وَانْطَفَأَ الْبَرِيقُ مَعَ تِلْكَ الشَّمْعَةِ، وَمَاتَ الطُّمُوحُ.

الْيَوْمَ فَقَطْ تَحَطَّمَتْ نَظْرَةُ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى صَدِيقَاتِي، وَحَلَّتْ مَكَانَهَا نَظَرَاتُ الْحَسْرَةِ وَشُعُورُ الْوَحْدَةِ.

هُنَّ يَنْعَمْنَ بِآيَاتِ التَّكْرِيمِ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ، وَأَنَا أَتَأَلَّمُ بِعَذَابِ الصَّمْتِ وَالنَّدَمِ.

وَالْآنَ وَجَدْتُ فِي تِلْكَ الْحُرِّيَّةِ لَعْنَةً حَرَمَتْنِي أَنْ أَعِيشَ كَاِمْرَأَةٍ طَبِيعِيَّةٍ، وَجَعَلَتْنِي أَسِيرَةً لِبَرِيقٍ زَائِفٍ قَادَنِي إِلَى سَجْنِ الْوَحْدَةِ الْمُؤْلِمِ وَخَيْبَاتِهِ.

أَشْتَاقُ إِلَى صَوْتِ طِفْلٍ يُنَادِينِي، إِلَى ضِحْكَةٍ بَرِيئَةٍ تَشْفِي أَوْجَاعِي وَتَخْلَعُ قَهْرِي، لَكِنَّ الْهُدُوءَ الْمُزْعِجَ ظَلَّ يَجْلِدُنِي أَكْثَرَ، وَيَسْتَنْزِفُ أَعْصَابِي الْمُتْعَبَةَ بِقَسْوَةٍ وَشَمَاتَةٍ.

اِكْتَشَفْتُ أَنَّنِي أُرِيدُ زَوْجًا تَجْمَعُنِي بِهِ مَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ، وَأَنْ أَعِيشَ فِي كَنَفِهِ مُجَرَّدَ زَوْجَةٍ مُطِيعَةٍ وَلَوْ لِيَوْمٍ وَاحِدٍ، تَسْعَى لِتُطْعِمَ صِغَارَهَا مِمَّا صَنَعَتْ يَدَاهَا، وَأَنْ تُهْدِيَهُمْ حَنَانًا وَحُبًّا يَمْلَأُ بَيْتًا عَامِرًا بِالْمَحَبَّةِ وَالْأُنْسِ.

اِكْتَشَفْتُ أَنَّ أَفْضَلَ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَسْمَعَهُ كَلِمَةَ لَا.. فَلَيْسَ كُلُّ فِكْرَةٍ مُتَهَوِّرَةٍ مَجْنُونَةٍ تَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ يَنْبَغِي تَنْفِيذُهَا.

اِكْتَشَفْتُ أَخِيرًا أَنَّنِي كُنْتُ مُجَرَّدَ أَدَاةٍ مَرْهُونَةٍ فِي يَدِ دُعَاةِ الْحُرِّيَّةِ، فَقَدْ كُنْتُ لَهُمْ أَسِيرَةً خَانِعَةً، فِيمَا كُنْتُ لِعَائِلَتِي الْجَانِيَةَ الْبَلِيدَةَ، وَإِذَا هُمْ بِالْجُنَاةِ مَعِي، فَقَدْ مَنَحُونِي مُطْلَقَ الْحُرِّيَّةِ دُونَ حِسَابٍ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَنَا الْقَاضِيَ وَالْجَلَّادَ، فَلَا حَكَمْتُ بِالْعَدْلِ، وَلَا قَضَيْتُ بِالْحَقِّ!

اِكْتَشَفْتُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ كَانَتْ أَلَدَّ أَعْدَائِي، وَأَكْبَرَ كِذْبَةٍ سَرَقَتْ مِنِّي عُمْرِي وَضَيَّعَتْ حَيَاتِي.

اِكْتَشَفْتُ كُلَّ ذَلِكَ أَخِيرًا بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، فَلَا يَنْفَعُ الْيَوْمَ النَّدَمُ، وَلَا يَشْفَعُ لِيَ الْجَهْلُ.

وَالْآنَ سَأَمُوتُ وَأَنَا رَافِضَةٌ لِلْحُرِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الزَّائِفَةِ.. سَأَمُوتُ وَحِيدَةً، وَالْحَسَرَاتُ تَتَرَاكَمُ فِي قَلْبِي عَلَى كُلِّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خُلِقْتُ اِمْرَأَةً لِأَفْعَلهَا، وَلَمْ أَغْرِفْ مِنْ نَعِيمِهَا شَيْئًا.

وَدِدْتُ الْآنَ لَوْ كَانَتْ حُرِّيَّتُهُمْ الْمَزْعُومَةُ رَجُلًا فَقَتَلْتُهُ!

التعليق الصوتي: فاضنة ايت المودن 

القصة: أسماء شميس

إخراج: مصطفى الشرقاوي

Comments are closed.