قبل الرد على هذا الكلام أحب أن أوجه رسالة للإخوة الذين يعترضون على نشر كلام هؤلاء والرد عليه: نحن في زمن مواقع التواصل ولا يجوز أن نترك هؤلاء يتلاعبون بعقول الناس والحمد لله لدينا الحجة والحق فلماذا نترك الساحة لهم.

الرد على كلامه محمد هداية: هذا الطرح الذي يتستر برداء “تعظيم القرآن” ليس في حقيقته إلا محاولة لهدم المنهجية العلمية التي حفظت هذا الدين، وهو يقع في مغالطة فادحة ناتجة عن خلط المفاهيم والجهل بلغة العرب وسياقات التنزيل.
فالاعتراض على قضية “النسخ” بدعوى أنها تتناقض مع قوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ هو قمة المهزلة والتهافت المنهجي؛ لأنه يسقط معنى “القول” في سياق الوعيد والجزاء يوم القيامة على “الأحكام التشريعية” المتغيرة، وهذا عجز عن التمييز بين “الإخبار” الذي لا يتغير وبين “التكليف” الذي يقبل التغيير لحكمة إلهية!
لنتأمل أولاً في طبيعة هذا الاعتراض؛ إن القائل بهذا الكلام يمارس نوعاً من “الهرمنيوطيقا” المشوهة، حيث ينتزع آية من سياقها ليضرب بها آيات أخرى صريحة في معناها.
فقوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ جاء في سياق الحديث عن مصير أهل النار ووعيد الله لهم، ومعناه أن حكم الله بالعدل في الجزاء يوم القيامة لا يتبدل ولا يتغير، فالوعد والوعيد في الآخرة حق مطلق.
أما “النسخ” في لغة الوحي فهو يتعلق بـ “الأوامر والنواهي” في الدنيا، وهي خاضعة لحكمة الابتلاء والتدرج.
فكيف يغيب عن عقل يدعي الفهم أن “القول” في سياق المحاسبة يختلف جذرياً عن “الآية” في سياق التشريع؟
وإذا كان هذا الشخص يدعي تعظيم القرآن، فإنه بإنكاره للنسخ يكذب القرآن صراحة؛ فالقرآن هو الذي قرر مبدأ النسخ بلفظ واضح لا يحتمل التأويل في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106].
تأمل هنا الربط بين النسخ وبين “القدرة الإلهية”؛ فالذي يعترض على النسخ كأنه يعترض على سعة علم الله وقدرته في تدبير خلقه وتغيير أحكامه بما يصلح شأنهم.
بل إن القرآن أخبرنا أن المشركين قديماً استخدموا نفس المنطق العليل الذي يستخدمه هؤلاء اليوم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 101].
فالله سمى هذا “تبديلاً” وقرره فعلاً، ووصف منكريه بأنهم “لا يعلمون”.
النسخ ليس “تراجعاً” عن قرار أو اكتشافاً لخطأ -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- بل هو “انتهاء أمد الحكم”.
فالله سبحانه يعلم منذ الأزل أن الحكم (أ) سيبقى سارياً لمدة عامين، ثم يحل محله الحكم (ب).
فالنسخ بالنسبة لنا هو “تغيير”، أما بالنسبة لعلم الله فهو “انتقال مرسوم في وقته المعلوم”.
تماماً كما يصف الطبيب دواءً لمريض في مرحلة معينة، ثم يغيره في مرحلة الشفاء؛ فهل نقول إن الطبيب ناقض نفسه؟
أم نقول إنه طبق العلم بما يناسب حال المريض؟
ولله المثل الأعلى، فالنسخ في القرآن كان لمراعاة حال الأمة الناشئة، وتدرجها من الجاهلية إلى كمال الإيمان.
وتأمل معي خطورة هذا المسلك؛ إن إنكار النسخ يستلزم الوقوع في “التناقض الظاهري” بين النصوص التي لا يمكن الجمع بينها إلا بالقول بالنسخ، كعدة المتوفى عنها زوجها التي كانت حولاً كاملاً ثم صارت أربعة أشهر وعشراً.
فإذا أنكرنا النسخ، فبأي النصين نعمل؟
ومن أعطى الحق لهذا الشخص أن يختار نصاً ويترك آخر؟
إن الهروب من النسخ يقود إلى العبث بالنصوص وتأويلها تأويلاً باطلاً لا يستقيم مع لغة العرب ولا مع أصول الفهم، وهو عين ما يفعله أصحاب القراءات المعاصرة حين يحاولون “ليّ أعناق النصوص” لتوافق أهواء الحداثة.
النسخ مظهر من مظاهر “الربوبية” و”التربية الإلهية”، حيث ينقل الله عباده من مقام إلى مقام بما يحقق المصلحة واليسر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
فمن زعم أن النسخ طعن في كمال القول الإلهي، فقد جهل الفرق بين “كمال الذات” و”حكمة التشريع”.
والحقيقة التي يخفيها هؤلاء الطاعنون هي أنهم يريدون “تأليه العقل” وجعله حكماً على الوحي، فيقبلون ما استساغته عقولهم المحدودة ويرفضون ما أشكل عليها تحت ستار “النقد العلمي”.
لكن العلم الحقيقي هو ما استقر عليه إجماع الأمة من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، الذين نقلوا لنا القرآن والنسخ والسنة بضوابط علمية لم تعرف البشرية لها مثيلاً في الدقة والتوثيق.
فهل نترك فهم الأئمة الفحول واللغويين الكبار لنتبع تخبطات معاصرة تنقض أصولها في كل جملة؟
وبهذا يتضح أن الشبهة التي يثيرها هذا الشخص هي محض “تلاعب لفظي” يخلط بين ثبات الوعد الإلهي (القول) وبين مرونة الشريعة (النسخ).
وخلاصة القول أن من أنكر النسخ فقد كذّب صريح القرآن، ولله في خلقه شؤون، يبين الحق لمن أراد، ويذر المتكبرين في طغيانهم يعمهون.

