السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
نرجو من المولى عز وجل أن يوفقكم ويحفظكم ويرعاكم
هناك شبهة طُرحت عليّ من أحد النصارى، يقول: في مفهوم الجنة لديكم، يكون للشخص زوجات في الجنة. يريد من هذا القول بان يقول لديكم الجنس في الجنة بينما نحن في منظورنا الرجال يصبحوا كالملائكة او ان الشهوات تُنزع منهم
يقول: في الدنيا لكم الحق في الزواج من أربعة، الا يكفي هذا الاستمتاع، تريدون ايضا ان تستمتعوا في الآخرة!يا اخي مصطفى بارك الله فيكم
كيف يكون الجواب المُفحم الذي يبطل ما يقوله ذاك المشركانا في انتظار الجواب وجزاكم الله تعالى خيرا
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وحياك الله وبياك، ونسأل الله أن يثبتنا وإياك على الحق، وأن يجعلنا سيفاً مسلولاً على الباطل وأهله.
بما أنك طلبت جوابًا مفحمًا فتحمل طول الإجابة وإن شاء الله سوف تجد ما يسرك ويشرح صدرك ويكبت عدوك.
هذه الشبهة التي طرحها هذا النصراني ليست “اكتشافاً” معرفياً جديداً، بل هي اجترار لفلسفات قديمة غنوصية وأفلاطونية تسرّبت إلى اللاهوت النصراني، فصنعت فصاماً نكداً بين الروح والجسد، وصورت الجسد واحتياجاته وفطرته كأنها “دنس” أو “خطيئة” يجب التخلص منها للوصول إلى القداسة.
دعنا نكسر هذا الوهم ونفكك هذه المغالطة من جذورها العقلية والشرعية، بل ومن داخل كتابه الذي يقدسه، لنرى من الذي يوافق الفطرة والعقل، ومن الذي يتخبط في التناقضات.
التخليص المجمل للحكم على هذه الشبهة
إن الاعتراض على وجود النعيم الجسدي في الجنة ينطلق من تصور “منقوص” للإنسان، ومن عقيدة ترى في الجسد عائقاً لا شريكاً في العبودية والجزاء.
من أعظم مغالطات الفكر النصراني المنحرف هي توهمه أن “السمو” يقتضي بالضرورة “الانسلاخ من البشرية”.
الإسلام يكرم الإنسان بكليته (روحاً وجسداً)، والجنة هي دار “الكمال الإنساني” لا دار “التحول الملائكي”.
فالسؤال الحقيقي ليس: “لماذا يوجد جنس وطعام في الجنة؟”، بل السؤال هو: “لماذا يريد النصراني أن يحرم الإنسان من كمال بشريته التي خلقه الله عليها؟”.
نحن حين نرفض التحول إلى ملائكة في الجنة، لا نفعل ذلك استهانة بمقام الملائكة المكرمين، بل فعل ذلك إجلالاً لحكمة الله الذي خلقنا “بشراً”.
الملائكة جُبلوا على التسبيح والتقديس بلا منازع من شهوة أو ميل، وهذا كمالهم الذي خُلقوا له.
أما الإنسان، فقد شرفه الله بـ “الابتلاء”، وأسجد له الملائكة.
فإذا دخل المؤمن الجنة، فإن الله لا يمسخ فطرته ويحوله إلى كائن آخر، بل يرفع بشريته إلى “أقصى درجات الكمال”.
الكمال الإنساني هو أن تملك الجسد والروح، وتملك الرغبة والقدرة، ولكن في بيئة طاهرة لا كدر فيها.
فالذي جاهد شهوته في الدنيا ابتغاء مرضاة الله، يُكافأ في الآخرة بإطلاق هذه الشهوة في الحلال المحض، ليكون جزاؤه من جنس عمله.
أما نزع “آدمية” الإنسان فهو في الحقيقة “إلغاء لنتائج الابتلاء”، وكأن الله يمحو هوية العبد الذي أطاعه بصفته بشراً ليجعله كائناً آلياً لا يشعر بلذة التكريم.
أولاً: مغالطة “احتقار الجسد”
من أين جاء هذا النصراني بفرضية أن “الجسد وملذاته” أمر معيب أو دوني لدرجة أنه يُنزع في دار البقاء؟
إذا كان الله سبحانه هو الذي خلق في الإنسان “الشهوة” للأكل والشرب والنساء في الدنيا، وجعل هذه اللذات من أعظم نِعمه على عباده، فهل كان الله (عز وجل) يمنحنا “دنساً”؟
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الحقيقة أن الفكر النصراني متأثر بالفلسفات اليونانية التي تعتبر المادة (يقصدون الجسد) شراً والروح خيراً، وهذا تصادم صريح مع فكرة “الخلق”.
فالله حين خلق الجسد، خلقه “حسناً”، وحين يبعثه في الآخرة، يبعثه في أكمل صورة لينعم بكل ما حُرم منه أو تمتع به في الدنيا بضوابط الشرع.
فالكمال هو أن يتنعم الكيان الإنساني كله، لا أن يُمسخ الإنسان إلى “روح هائمة” لا تشعر بلذة حقيقية ملموسة.
ثانياً: تفكيك وهم “الحالة الملائكية”
يدعي النصراني أنهم سيصبحون “كالملائكة”.
وهنا نسأله: هل مرتبة الملائكة في تصوركم أعلى من مرتبة البشر الصالحين؟
في الإسلام، الإنسان الصالح الذي جاهد هواه وصبر على أوامر الله قد يفوق الملائكة منزلة؛ لأنه عبد الله باختياره ومجاهدة شهوته، بينما الملائكة خُلقوا مجبولين على الطاعة بلا شهوة.
فإذا نزع الله من الإنسان شهوته وفطرته في الجنة، فقد حوّله إلى “كائن آخر”، وهذا ليس جزاءً للإنسان، بل هو “إعدام لهويته الإنسانية” ولا أعلم ما اللذة في ذلك وما هو النعيم؟!
الجزاء الحقيقي هو أن تظل إنساناً، تملك الرغبة والشهوة، ولكنها في الجنة شهوة منزهة عن النقص والدنس والأذى، ومستجابة في أرقى صورها.
ثالثاً: الإلزام من داخل “الكتاب المقدس”
هذا المتحدث يبدو أنه يجهل ما في كتابه، أو أنه ينتقي منه ما يوافق هواه.
لنسأله: ألم يقل المسيح (عليه السلام) في إنجيل متى (26: 29): “وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هَذَا إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي”؟
إذا كانت الجنة روحانية فقط، فما معنى “شرب نتاج الكرمة” (الخمر) في ملكوت الأب؟ هل الأرواح الهائمة تشرب الخمر؟
وفي إنجيل لوقا (22: 30): “لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي”.
هل الموائد والأكل والشرب “ملذات جسدية” أم “خيالات هلامية”؟
وإذا كان الأكل والشرب ثابتاً في نصوصهم، فلماذا يستنكرون “النساء”؟
هل المعدة جسدية والفرج روحاني؟ هذا تناقض عقلي فاضح.
رابعاً: الرد على سخرية “الأربع زوجات”
أما قولك: “لكم الحق في أربعة في الدنيا.. ألا يكفي؟”.
فنقول: الاستمتاع في الدنيا هو “نموذج مصغر” وتذكير بنعيم الآخرة.
الرجل في الدنيا يتزوج ليحصن نفسه، وليبني أسرة، وليذوق طعم المودة.
فإذا كان الله قد كافأ المؤمن الصالح في الآخرة بزيادة من هذا النعيم، فهذا من “كمال الكرم الإلهي”.
فهل يُعاب الكريم إذا زاد في عطائه؟ وهل يُلام المحب إذا أكرم حبيبه بما يحب؟
الدنيا دار “عمل وقليل من النعيم”، والآخرة دار “جزاء وكثير من النعيم”.
فنحن لم نشبع في الدنيا، بل نحن في الدنيا “عابرو سبيل”، ندخر شهواتنا وما تشتهيه أنفسنا لما بعد الموت، صبراً واحتساباً.
أضف إلى ذلك أن الاستمتاع في الدنيا ليس غاية، بل هو وسيلة لإعمار الأرض وحفظ النسل وبقاء العفة، و على كل حال ليس كل الرجال يتزوجون 4 نساء ولو حسبت نسبة الرجال الذين تزوجوا بأربعة نساء لوجدتها 1% من المسلمين حول العالم.
أما في الجنة، فالزواج هو “مكافأة” على الصبر والتقوى.
ثم لنسأل هذا النصراني سؤالاً يحطم كبرياءه: من هم أعظم البشر في كتابكم؟
أليس سليمان (عليه السلام) الذي يذكر كتابكم أن له “سبع مئة من النساء السيدات، وثلاث مئة من السراري” (ملوك الأول 11: 3)؟
وأليس داود (عليه السلام) الذي كان له نساء وجوارٍ كثيرات؟
إذا كان “تعدد النساء” أمراً قبيحاً أو “جنسياً بحتاً” كما يزعم، فكيف ارتضى إلهكم لأنبيائه هذا “الانغماس” في اللذات؟
أم أن ما هو حلال ومعجز للأنبياء في الدنيا يصبح “شبهة” على المؤمنين في الآخرة؟
إن هذه القسمة ضيزى، وهي تدل على أن المعترض لا ينطلق من مبدأ أخلاقي، بل من “حقد منهجي” وطعن في الإسلام فقط حتى لو طعن في كتابه وتناقض.
خامساً: فلسفة “المرأة” في الجنة
المرأة في الجنة ليست مجرد “أداة للجنس” كما يحاول الفكر المادي تصويرها.
الجنة فيها “الحور العين” وفيها “الزوجات الدنياويات” اللاتي يُعدن في أجمل صورة.
العلاقة في الجنة هي “سكن ومودة واكتمال لذة”.
الرجل يشتهي المرأة والمرأة تشتهي الرجل، وهذا كمال الفطرة.
وهناك أشياء كثيرة في الجنة غير الجنس والمتعة الجسدية.
ويبدو أن المشكك يُحاول حصر “الجنة” في دائرة “الجنس” لغرض في نفسه، متجاهلاً الأبعاد الروحية والعقلية والاجتماعية التي تملأ نصوص الوحي.
النعيم في الإسلام هو “استغراق الوجود الإنساني كله في السعادة”، وإليك بعض أركان هذا النعيم التي يتجاهلها الخصوم:
1. النعيم الأسمى: رؤية الله عز وجل هذا هو “المنتهى” الذي تتقزم أمامه كل اللذات.
أن ينظر العبد إلى وجه خالقه وبارئه، الذي عبده ولم يره، وصبر لأجله ولم يشاهده.
هذا النعيم الروحي والوجداني هو “أصل الجنة” وقمتها، وبدونه لا يكتمل النعيم.
2. النعيم الاجتماعي: لِقاء الأنبياء والصالحين تخيل لذة الجلوس مع إبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى المسيح (عليهم السلام)، ومحمد ﷺ.
أن تحاورهم، وتسمع منهم، وتعيش في رحابهم. أليس هذا نعيماً روحيًا وعقلياً يفوق الوصف؟
3. النعيم العاطفي: الاجتماع بالأهل والأحبة الجنة هي دار “اللقاء بعد الفراق”.
أن تجتمع بوالديك، وأبنائك، ومن فقدتهم في الدنيا، لتعيش معهم حياة لا موت فيها ولا مرض ولا حزن.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21].
هذه الطمأنينة العاطفية هي ركن حصين في النعيم الإسلامي.
4. النعيم العقلي: كشف أسرار الوجود الإنسان في الدنيا يعيش حائراً أمام ألغاز الكون وخفايا القدر.
في الجنة، يُرفع الحجاب عن العقول، ويعرف المؤمن “أسرار الخفايا”، ويفهم حكم الله في خلقه، ويطلع على عجائب ملكوت الله التي قصر عنها بصره في الدنيا.
هذا “الإشباع المعرفي” هو قمة اللذة للعقل البشري التوّاق للمعرفة.
5. النعيم الحسي الرفيع: القصور والأنهار والجمال البيئة المحيطة من قصور مبنية من الذهب والفضة، وأنهار من لبن وعسل وخمر (لا تصدع الرأس)، وأشجار تتدلى ثمارها.. كل هذا يُشكل “لوحة جمالية” تبهج العين والنفس، وتجعل المؤمن يعيش في ملكٍ لا يبلى.
والأجمل من هذا كله يقول اللهُ تعالى : أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ ، ذخرًا بَلْهَ ما أطلعتُهم عليه ، اقرأوا إن شئتم: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُونَ.
تأمل حال أي إنسان في هذه الدنيا، لو قيل له: “سنمنحك قصراً منيفاً، وحراساً يخدمونك، ومالاً لا ينفد، وجمالاً لا يزول، وصحة لا تمرض، وخلوداً لا موت فيه”.
بربك، هل سيقول: “لا، أريد أن أكون روحاً بلا جسد”؟
بل سيطير فرحاً، وربما يفقد صوابه من فرط السعادة، وسيعمل ليله ونهاره ليحافظ على هذه النعمة، وسيتمنى أن يخلد فيها إلى الأبد.
أيها النصراني.. أنت في قرارة نفسك، لو حصلت على “ذرة” من ملذات الجنة في الدنيا، لتمسكت بها بكل قوتك، ولما فكرت في “الملائكية” المزعومة لحظة واحدة.
فلماذا عندما يعدنا الله بهذا النعيم “كاملاً ومطهراً” في الآخرة، تلبس ثوب “الزهد الكاذب” وتستنكر على الفطرة مرادها؟
إن هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست في “نوع النعيم”، بل في “الإنكار على الإسلام”.
نحن واقعيون، نعرف أن الإنسان يحب النعيم الملموس، والله الذي خلق الإنسان أخبره بما يسره، أما أنتم فتبحثون عن “عدم شعوري” تصفونه بالجنة، وهو في الحقيقة لا يروي ظمأ النفس البشرية التي جُبلت على حب الوجود والتمتع بآلاء الله.
الإسلام لا يخجل من ذكر “الشهوة” والمتعة الجسدية فهي جزء من نعيم الجنة، الخجل الحقيقي هو في تلك العقائد التي تعتبر المرأة “رجساً” أو “فخاً للشيطان” كما في كتابات بعض آباء الكنيسة الأوائل، والذين هربوا إلى الرهبنة احتقاراً للمرأة.
الإسلام جاء ليعيد للمرأة كرامتها كشريكة في الدنيا وكملكة في الآخرة.
سادساً: الفرق بين “الجنس” الدنيوي والأخروي
يجب أن نوضح لهذا المعترض أن “لذات الجنة” تشترك مع “لذات الدنيا” في الاسم فقط، أما الكيفية فمختلفة تماماً.
لذة بلا أذى: لا يوجد في الجنة حيض ولا نفاس ولا تعب ولا وصب.
لذة بلا انقطاع: لا يوجد ملل ولا ضعف ولا هرم.
لذة بلا دنس: الجنة ليس فيها غائط ولا بول ولا نجس، بل ريح المسك وعرق الطيب.
فالذي يعترض على “الجنس” في الجنة يتخيله بنقصه الدنيوي، وهذا هو قمة “القياس الفاسد”.
نحن نعده نعيماً طاهراً يليق بكرامة المؤمن عند ربه.
سابعاً: ماذا تقدم النصرانية في جنتها؟
نسأل النصراني: ما هو “الممتع” في جنتكم؟
إذا كنتم ستقضون الأبدية كأشباح هائمة بلا رغبات، بلا طعام، بلا شراب، بلا نساء.. فأين “السعادة” التي وعدكم الله بها؟
الإنسان مجبول على حب الجمال ونحن في الدنيا لو حصلنا على قصر وحديقة وحراس وأموال نشعر وكأننا في جنة لا نريد الخروج منها أو زوالها فما بالكم بالجنة الحقيقية في الآخرة.
جنتكم – بتصويركم هذا – هي سجن للأرواح، ومحو للهوية الإنسانية.
بينما الجنة في الإسلام هي “تحقيق لكل الأماني”: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31].
الله يعطي المؤمن كل ما يحبه، فإذا كان المؤمن يحب النساء، فالله يعطيه من فضله، وإذا كانت المرأة تحب الجمال والزينة، فالله يعطيها ما لا يخطر على بال.
هذا هو الإله الكريم الذي يعلم خفايا نفوس خلقه، لا الإله الذي يحتقر خلقه ويسلبهم فطرتهم.
ثامناً: هل الرب في النصرانية “جسدي”؟
من المضحك أن النصراني يستنكر “الجسدية” في الجنة ويعتبرها نقصًا، وهو نفسه يعتقد أن “الإله” تجسد في صورة بشر!
يعتقد أن الإله أكل وشرب وجاع وتعب (في زعمهم).
فإذا كان إلهكم لم يجد غضاضة في “التجسد” والنزول إلى عالم المادة والأكل من طعام الأرض..
فلماذا تستكثرون على العبد الفقير أن يتنعم بجسد طاهر في جنة الخلد؟
أليس هذا تناقضاً يدعو للرثاء؟
عقيدة الإسلام في الجنة هي العقيدة الوحيدة التي تحترم “الماهية الإنسانية”.
نحن لا نبيع الناس أوهاماً “هلامية” للضحك على عقول الناس بفلسفات يونانية خرافية، بل نعدهم بما يوافق عقولهم وفطرهم وما وعدهم به ربهم الصادق في وعده.
أما النصرانية، فقد غرقت في الرهبانية المحرفة التي تحتقر الجسد، فخرجت لنا بجنة “باردة” لا روح فيها ولا حياة، تخالف حتى نصوص أناجيلهم التي تتحدث عن الموائد والخمر والملكوت المادي.
يا أخي الكريم، قل لهذا النصراني: إن نبينا ﷺ أخبرنا عن ربٍ رحيم، يفيض بالعطاء على عباده، لا يحرمهم مما جبلهم عليه من حب الجمال والمتعة، بل يطهرها لهم ويديمها عليهم.
أما من يريد أن يتحول إلى “ملاك”، فليبحث عن ذلك في أساطير اليونان، أما نحن فبشرٌ، خلقنا الله لنعبده في الأرض، ونتمتع بكرمه في السماء.
إن الفرق بيننا وبينهم هو الفرق بين “الصدق مع الفطرة” وبين “الادعاء الفلسفي البارد”.
الإسلام يقدم جنة “يُدركها الحس ويشتاق إليها القلب ويطمئن إليها العقل”.
أما هم فيقدمون “خيالاً” لا يملأ عيناً ولا يشبع نفساً.
والأيام بيننا وبينهم، واليقين هو الذي سيثبت حين تُكشف الحقائق.
{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63].
والحمد لله الذي جعل الجنة داراً للكرامة، لا داراً للإعاقة الشعورية والجسدية.
والآن بعد هذا الجواب الطويل سوف أعطيك بعض الحجج التي تفحم هذا الشخص ولا أعتقد أنه سيخرج منها أبدًا
الحجة الأولى: لماذا يبعث الله “الأجساد” أصلاً؟
هذا هو السؤال الذي سيسحق منطقهم سحقاً.
قل له: أنتم تؤمنون بـ “قيامة الأجساد” في الآخرة، أليس كذلك؟
إذا كان الإنسان في الجنة سيعيش “كالملاك” (روحاً بلا رغبة جسدية)، فلماذا يعيد الله بعث الجسد المادي من الأساس؟
إن بعث الجسد ثم “تعطيل” وظائفه الحيوية وفطرته التي خُلق عليها (من تذوق، واشتهار، وتمتع) هو عملٌ عبثي، والله سبحانه منزه عن العبث.
الجسد الذي لا يشعر بلذة مادية هو جسد “مشلول” أو “ميت”، والجنة دار حياة كاملة لا دار شلل.
فإما أن تقولوا إن القيامة للأرواح فقط (وهذا كفر بنصوصكم)، وإما أن تقروا بأن الجسد يُبعث ليستوفي لذته التي تليق بكماله.
الحجة الثانية: التناقض في مفهوم “النعيم المادي”
اسأله بوضوح: هل يوجد في جنتكم أكل وشرب؟
إذا قال “لا”: فقد كذب أناجيله التي تتحدث عن “الموائد” و “شرب نتاج الكرمة” و “شجر الحياة الذي يعطي أثماراً”.
وإذا قال “نعم”: فقد هدم حجته بنفسه.
لأن الأكل والشرب “لذة جسدية” محضة، وهي مرتبطة بوظائف “بيولوجية”.
فلماذا تقبلون وجود “المعدة” وتلذذها بالطعام، وترفضون وجود “الغريزة” الجنسية؟
هل هناك “قداسة” في الأمعاء ليست موجودة في علاقة الزواج؟
الحقيقة أنكم تنتقون من الجسد ما تشاؤون وتنبذون ما تشاؤون بلا دليل عقلي ولا نقلي.
الحجة الثالثة: محاكمة “نشيد الأنشاد”
هذه الحجة ستجعله في حرج عظيم أمام نفسه.
قل له: إذا كنتم تعتبرون “الشهوة” و “الجنس” و “التمتع بالمرأة” أمراً دنيئاً لا يليق بالقداسة والأبدية..
فلماذا يمتلئ كتابكم بنصوص جنسية فاضحة وفاحشة أخجل من ذكرها هنا ومنها ما جاء في “سِفر نشيد الأنشاد”؟
هذا السفر وغيره يحتوي على أوصاف جسدية وغرامية صريحة جداً وكلما سألناكم عنه قلتم هذا “رمز” للعلاقة بين الله والكنيسة!
إذا كانت العلاقة مع “الله” تُصور في أقدس كتبكم بصور “عشق جسدي” (والعياذ بالله) لتقريب المعنى، فكيف تستنكرون أن يكون هذا النعيم مكافأة فعلية للمؤمنين في الجنة؟
هل “الصور الجسدية” مقدسة في الكتاب، ومدنسة في الجنة؟
هذا اضطراب معرفي لا يقع فيه إلا من فقد البوصلة.
الحجة الرابعة: “سليمان وداود” وشهادة التاريخ
قل له: أنتم تقدسون سليمان وداود وتعتبرونهم أنبياء (أو ملوكاً مقدسين).
كتابكم يقول إن سليمان كان له ألف امرأة!
هل كان سليمان (عليه السلام) في حالة “دنس” و “شهوانية” طيلة حياته؟
إذا كان تعدد الزوجات والتمتع بهن “نقصاً” أو “انغماساً في الشهوة” يمنع الإنسان من السمو الروحي..
فقد طعنت في قداسة الأنبياء الذين لم يكتفوا بأربع، بل جمعوا المئات!
فإن كان فعلهم في الدنيا “بركة” و “هبة”، فكيف يكون جزاء الله للمؤمنين في الجنة “شبهة”؟
الحجة الخامسة: “عُقدة الرهبنة” والهروب من الفطرة
أصل هذه الشبهة عندهم هو “الرهبنة” التي ابتدعوها، والتي ترى في المرأة “شراً” وفي الجنس “خطيئة”.
قل له: المسيح (عليه السلام) في تصوركم حضر عرس “قانا الجليل” وبارك الزواج وصنع فيه معجزة (حسب زعمكم).
فإذا كان الزواج والتمتع بالمرأة “نجاسة” أو “حالة دنيا”، فلماذا باركها المسيح؟
إن احتقاركم للنعيم الجسدي في الجنة هو امتداد لاحتقاركم للمرأة في الدنيا.
الإسلام يرى في المرأة “سَكَناً” ونعمة، ويرى في العلاقة الزوجية “صدقة” وقربة إلى الله.
لذلك كان من المنطقي أن يكون هذا النعيم هو “التاج” الذي يكلل به الله صبر المؤمنين.
الحجة السادسة: “الملائكية” أم “الإنسانية المكرّمة”؟
أنتم تقولون سنصبح “كالملائكة”.
نحن نقول: الله خلق “الملائكة” ملائكة، وخلق “البشر” بشراً.
والله كرم بني آدم “بآدميتهم”، لا بتحويلهم إلى جنس آخر.
الكمال في كل جنس هو استيفاء خصائصه؛ فكمال الفاكهة في طعمها، وكمال الزهر في ريحه.
وكمال الإنسان في أن يشعر، ويشتهي، ويتلذذ، ويحب، ويسكن.. ولكن في الجنة بلا تعب ولا كدر.
نزع هذه الخصائص من الإنسان ليس “تطويراً” له، بل هو “تشويه” لخلق الله.
أنتم تريدون “جنة خالية من البشر”، ونحن ننتظر “جنة أُعدت للمتقين من البشر”.
الحجة السابعة: الإلزام بـ “أزلية النفس والجسد”
قل له: إذا كان الله سيغير طبيعة الإنسان في الجنة ويحرمه من رغباته..
فمن الذي سيتمتع بالجنة؟ هل هو “أنا” (بكياني الذي عرفته)؟ أم كائن آخر غريب لا أعرفه؟
إذا سُلبت مني رغبتي في الطعام والنساء والجمال، فقد سُلبت مني “شخصيتي”.
فالذي سيدخل الجنة حينها ليس “ماهر” أو “مصطفى”، بل هو “كائن آلي” لا مبالٍ.
العدل الإلهي يقتضي أن الذي صام عن الحرام هو الذي ينعم بالحلال، والذي غض بصره هو الذي يكحل عينه برؤية النعيم والجمال.
كلمةٌ أخيرةٌ من القلب
أخي الكريم ماهر، إن العبد إذا استقر اليقين في سويداء قلبه، تلاشت أمام ناظريه كل زخارف الدنيا وشبهاتها، وصار يرى بـ “نور الله” ما يعجز عنه المتخبطون في ظلمات المادة.
اعلم أن هذه الشبهات التي يلقيها هؤلاء ليست إلا زبداً يذهب جفاءً، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
فاجعل همك الوصول إلى تلك الدار التي لا يفنى نعيمها، ولا يبيد سرورها، حيث اللقاء بالمنان، والخلود في الجنان.
ثق أن كل حرفٍ تخطه في الدفاع عن هذا الدين هو لبنة في قصرك هناك، وعملٌ تبتغي به وجه من لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
استعن بالله ولا تعجز، وكن مع الحق يكون الله معك، فالبديل عن هذا النور ليس إلا التيه والعدم، وما عند الله خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

