السلام عليكم يا مصطفى
انا راجل عندي 42 سنة، متجوز وعندي ٥ عيال، منهم بنتين في سن المراهقة وعايش دلوقتي في مصر وبشتغل في شركة كبيره ومرتبي الحمد لله كويس على الورق بس في الحقيقة بالعافية مكفي عايشين عيشة معقولة بس مفيش أي ادخار خالص وليا صاحب عايش في هولندا دايمًا يشجعني على الهجرة ويقولي الفرص هناك احسن والحياة افضل من البلاد العربية، ومستقبل العيال مضمون اكتر، وكمان المرتب هيبقى اكبر بكتير من اللي باخده هنا.بصراحة انا تابعت عندك سلسلة المسلمون في الغرب، وسمعت قصص كتير وكنت رافض الفكرة اصلا بس ساعات بتيجيلي خواطر ودخلت مع صاحبي في نقاش وقلتله انا خايف على عيالي وديني رد عليا وقاللي مفيش فرق دلوقتي بين الدول العربية والغرب بل الغرب احسن بكتير فحابي اسمع رأيك بصراحة كلامه ده صح ولا لا؟ وتنصحني اسافر ولا افضل قاعد في مصر مع العلم اني مستحيل اسافر لوحدي، يا اما اسافر بأسرتي كلها يا اما اقعد معاهم هنا
الرد والنصيحة
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي الكريم.
دعني أكون صريحًا معك: كلام صديقك فيه خطأ جسيم. هذا الادعاء بأنه “لا فرق بين الدول العربية والغرب بل الغرب أفضل” كلام خطير ومغلوط تمامًا.
الفرق شاسع وكبير. ومن يقول هذا الكلام فهو في الغالب إما أنه لا يدرك الواقع كما ينبغي، أو أنه تأقلم مع الانحراف حتى لم يعد يراه منكرًا، أو ربما يحاول تبرير اختياره بجرّك إلى نفس الطريق.
الحقيقة التي قد لا يخبرك بها أحد
الغرب اليوم، وهولندا تحديدًا، يمر بانحدار أخلاقي مخيف لم تشهده البشرية من قبل.
تخيل ماذا يُعلَّم لأطفالك في مدارسهم هناك:
– الشذوذ الجنسي يُقدَّم على أنه حق وحرية شخصية
– تغيير الجنس للأطفال مسموح به بل ومُشجَّع
– العلاقات الجنسية بين المراهقين تُعتبر أمرًا طبيعيًا
– الإلحاد والعلمانية يُصوَّران على أنهما الصواب، والدين على أنه تخلف.
ابنتاك في سن المراهقة؟ هذا ما يقلقني
هذا أخطر سن يمكن أن تدخل فيه فتاة إلى تلك البيئة.
المدرسة الهولندية ستغرس في ذهنيهما أفكارًا من قبيل:
– الحجاب ليس واجبًا بل مجرد اختيار شخصي
– الاختلاط والصداقة مع الشباب أمر عادي ومقبول
– الحرية الجنسية حق لهما ولا يحق لك الاعتراض
– قيم والدهما “متخلفة” و”رجعية”
– مفهوم الشرف يُعدّ “جريمة”، وأي محاولة لضبط البنات قد تُفسَّر على أنها “عنف أسري”
أرجو أن تقرأ هذه النقطة الأخيرة بتمعن: في الغرب، إذا منعت ابنتك من شيء يعتبرونه “حقًا لها”، قد تتدخل الخدمات الاجتماعية وتسحب منك أطفالك بقوة القانون!
صحيح أن الراتب هناك أكبر، لكن دعني أسألك:
– ما فائدة المال إذا خسرت دين أولادك؟
– ما قيمة الراتب الكبير إذا وجدت بعد عشر سنوات أن ابنتيك تركتا الحجاب وتعيشان حياة لا ترضاها لهما؟
– ماذا ينفعك الثراء إذا كبر أولادك وأصبحوا غرباء عنك، يرون قيمك بالية وعتيقة؟
تأمل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
راجع قصص المسلمين في الغرب. كم من أب ندم ندمًا مريرًا بعد سنوات؟ كم من أسرة تفككت؟ كم من شاب وفتاة ضاعوا في تلك البيئة؟
صديقك ربما استطاع الحفاظ على نفسه، وهذا ليس مضمونًا للجميع، لكن السؤال الأهم: ماذا عن أطفاله وأحفاده؟
نصيحتي لك: ابقَ في مصر
حياتك وإن كانت صعبة ماديًا، إلا أنها تتمتع بمزايا لا تُقدَّر بثمن:
– أنت في أمان من الناحية الدينية
– أطفالك يعيشون في بيئة إسلامية، وإن لم تكن مثالية، فهي أفضل بكثير حين نقارن بين أخف الضررين
– بناتك بإذن الله محميات من الانحراف
– تستطيع تربيتهم على الدين دون أن تصطدم بالقانون
– المساجد والمراكز الإسلامية في كل مكان
– اللغة العربية محفوظة
– الهوية الإسلامية باقية
الفقر المادي في بلد مسلم خير من الغنى المادي في بلد كافر.
بدلًا من التفكير في هولندا، إذا كنت تبحث عن تحسين وضعك المادي، جرّب هذه الخيارات:
– ابحث عن عمل أفضل داخل مصر أو في دولة خليجية
– طوّر مهاراتك لزيادة دخلك
– ابحث عن مصادر دخل إضافية
– قلّل المصاريف غير الضرورية
توكل على الله وثق أن رزقك مكتوب، سواء في مصر أو هولندا. ومهما كانت الظروف، لا تُضحِّ بدين أولادك من أجل المال.
طبعًا هذه مجرد نصائح، والقرار في النهاية قرارك. لكنه قرار لا يخصك وحدك، بل يمتد أثره إلى ذريتك التي ستُسأل عنها بين يدي الله.
استشارتك هذه تدل على يقظة في قلبك، وخوف محمود على أمانتك.
وبعد المقدمة المختصرة السابقة دعني أفصّل لك هذا العرض الذي قدمه صديقك من عدة زوايا، لتتضح لك الصورة التي قد يحجبها بريق اليورو وزخرف الحياة المادية.
أولًا: لماذا مقولة “لا فرق بين الدول العربية والغرب” مغالطة كبرى؟
هذا الادعاء هو أخطر ما في كلام صديقك.
الفارق بين المجتمعات الإسلامية، رغم ما فيها من تقصير وفساد، وبين المجتمعات الغربية أوضح من الشمس.
لو شئت لسردت لك عشرات الأمور التي تثبت خطأ هذه المقولة، لكن إليك بعضها:
البيئة العامة والسمت: في بلدك تسمع الأذان، وتجد المساجد، وترى مظاهر الإسلام في الشوارع.
تصوم مع الناس وتفطر معهم وتحتفل بالأعياد معهم.
العلاقات الاجتماعية والأسرية قوية، وهذا السمت العام يشكل حصانة فطرية للطفل والأسرة.
أما في الغرب، فالحياة مادية صرفة، والدين يُهمَّش ويُعزل في زوايا ضيقة.
البيئة العامة هناك تصادم فطرة المسلم في كل لحظة.
لا يستطيع المرء هناك غض البصر، ولا توجد علاقات اجتماعية حقيقية، والإعلانات الفاحشة في كل مكان.
وفي هولندا تحديدًا، اسأل صديقك: هل مررت يومًا على واجهات النساء المعروضات للدعارة في شوارع أمستردام، أو ما يُسمى بالشارع الأحمر؟ هل ترضى أن ترى ابنتك أو زوجتك أو أطفالك هذا المشهد؟
سلطة الدولة على الأبناء: في بلادنا أنت “ولي أمر” أبنائك، تربيهم على ما تشاء من قيم الإسلام.
وإن حدث فساد فغالبًا يكون بسبب إهمال، وحتى لو وقع فلن تشعر بتأنيب الضمير كما لو أنك نقلت أطفالك بنفسك إلى بيئة فاسدة ثم بكيت دمًا وندمًا عليهم.
في الغرب، الدولة هي “الولي الأعلى”، والأطفال ملك لها، ودورك مجرد “راعٍ”. هناك مؤسسات مثل هيئات حماية الطفل قد تنتزع منك أبناءك إذا اعترضت على تعليمهم “القيم الليبرالية” أو الشذوذ في المدارس.
المدارس في الغرب قد تكون جميلة الشكل، لكنها ليست لتعليم العلوم فقط. هي “محاضن للغزو الفكري” تزرع في الطفل منذ صغره أن الحقيقة نسبية، وأن الدين اختيار شخصي.
تعلمهم الشذوذ، وتصور قيم الأسرة والشرف على أنها “تخلف”. تطرح على الأطفال شبهات ضد الإسلام وهم بلا حصانة فكرية، وتُدس في المواد العلمية نظريات إلحادية تؤثر على إيمانهم.
لا أعرف ماذا أكتب في هذا الباب، فالمقارنة ظالمة إذا تحدثنا عن الدين.
أما لو كان المعيار الدنيا فقط، فالكفة في مصلحة الغرب ظاهريًا.
لكن حتى هذا تغير مع الأزمات الاقتصادية الأخيرة؛ الراتب بالكاد يكفي الشهر، وكثيرون يقترضون أو يطلبون مساعدات اجتماعية تسمح للدولة بالتدخل في كل صغيرة وكبيرة بالمنزل.
في هولندا سُحب آلاف الأطفال بذريعة المساعدات، وهي قضية فساد موثقة.
صديقك هذا يذكرني بأحد أصدقائي الذين فُتنوا بالغرب. كان يقول: “الغرب دار كفر وبلادنا أيضًا دار كفر!” وهذا ما يردده كثير من الشباب لتبرير البقاء في الغرب.
لكن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن دول الغرب دار كفر بإجماع العلماء؛ تُطبَّق فيها أحكام الكفر، وتجري على المسلم قوانين المشركين التي تصادم صريح دينه.
لا سبيل ولا أمل للمسلم في إصلاح هذه البلاد.
اليمين المتطرف يصعد بسرعة الصاروخ، والقوانين تزداد شراسة ضد المسلمين، ومراقبة المساجد والنشاطات الإسلامية باتت ظاهرة واضحة.
القوم لن يسمحوا بأي قفزة للإسلام هناك، فلا مستقبل في تلك الأرض.
والإنسان الحكيم لا يزرع ذريته في أرض فاسدة لا أمل فيها.
الدول العربية دار إسلام إن شاء الله، غالبية أهلها مسلمون، ومهما فشا فيها من معاصٍ أو فساد أو تضييق، تبقى “ديار فسق لا كفر”.
وإن سلّمنا جدلًا بأنها ديار كفر، فالكفر طارئ عليها لا أصلي، وإصلاحها أقرب بكثير من إصلاح دول الغرب، وزرع الأطفال فيها أضمن على المدى القريب والبعيد.
هي بلاد يُسمع فيها الأذان، وتُقام فيها شعائر الإسلام الظاهرة.
لا يجوز لعاقل أن يسوي بينها وبين بلاد الكفر المحض التي تحارب شعائر الإسلام.
في الدول العربية يظل الأب “ولي أمر” أبنائه، يملك حق توجيههم ونهيهم عن المنكر ومنعهم، وغرس قيم العفة والشرف دون خوف من عقوبة قانونية.
المجتمع والبيئة العامة، رغم كل شيء، لا تزال تنكر الفواحش وتعتبرها رذيلة.
لا تجرؤ فتاة أن تدخل على أهلها بصديقها وتفعل الفاحشة دون أدنى حياء كما يحدث في الغرب.
في دول الغرب تتحول الدولة إلى “الولي الأعلى” للطفل، فيُسلب الأب ولايته إذا حاول منع ابنته من الزنا أو ابنه من الشذوذ.
بل مجرد الإنكار اللفظي قد يُعدّ جريمة تؤدي إلى “سبي الأبناء” عبر مؤسسات حماية الطفل، وتفريق الأسرة، وإعطاء الأطفال لعائلات غير مسلمة.
المدارس الغربية تُدرّس الجنس “عمليًا” للأطفال في الروضة، وتشجعهم على مداعبة أجساد بعضهم، وتعلم المراهقين طرق ممارسة الفواحش.
كما تُجرّم القوانين من يستنكر الشذوذ، وقد يُطرد الطفل من مدرسته إذا قال إن الجنس البشري ينقسم لذكر وأنثى فقط.
المدارس والبيئة العربية لا تزال تحافظ على الحد الأدنى من الحياء الفطري؛ الزنا والشذوذ والخمر أمور يُستتر بها ويُنكرها الصغير والكبير، ولا يُسمح برفع أعلام الشذوذ أو المجاهرة بالفواحش في الطرقات كما يحدث في شوارع الغرب.
في الغرب، يقابل الراتب الكبير ضرائب باهظة، وتكاليف معيشة مرتفعة، وفشو الربا.
والأخطر أن هذه الضرائب تُستخدم مباشرة في دعم محاربة الإسلام، ودعم الكيانات التي تقتل المسلمين كما في العدوان على غزة، مما يجعل المهاجر مُساهمًا، من حيث لا يشعر، في الحرب على دينه.
فرص العمل في بلاد المسلمين قليلة لكنها موجودة لمن يبحث، والدخل القليل يتناسب مع النفقات والأسعار المحدودة، مع سلامة المكسب من الشبهات، وحفظ المال من أن يكون وقودًا لقتل الإخوة في العقيدة.
أعرف أسرة في الغرب دخلها الشهري 3000 دولار تعيش عيشة الفقراء؛ نسبة كبيرة من الراتب تذهب للضرائب، والمتبقي يكفي بالكاد للإيجار والنفقات مع تقشف شديد.
وأعرف أسرة في مصر دخلها أقل من ثلث هذا الراتب تعيش بكرامة، وربما تأكل وتشرب أفضل من هؤلاء.
ويكفي أنك في بلدك لا تسأل هل هذا الطعام حلال أم لا، بعكس الغرب حيث تحتاج للتفتيش خلف كل سلعة، حتى الخبز والجبن، لأن مشتقات الخنزير تدخل في كل المنتجات.
المشاهدات تؤكد أن الأجيال القادمة من أبناء المهاجرين يتحولون إلى النصرانية أو اللادينية بنسبة كبيرة بسبب البيئة، خاصة الأحفاد.
وثّقت بعض القصص عن شباب وفتيات اسم الأب أو الجد يبدو إسلاميًا لكنهم ملاحدة، وعند سؤالهم يقولون: “كان والدي أو جدي مسلمًا”. هل تحب أن يكون أحد أولادك هكذا؟
أبناء المهاجرين في الغرب يكون ولاؤهم وارتباطهم ببلد المهجر (دار الكفر) أعظم بكثير من ارتباطهم بأمة الإسلام، مما ينتج جيلًا مبتور الجذور، يرى الدين أمرًا ثانويًا.
أتعجب صراحة ممن يهرب من “ضيق المعاش” في بلاد المسلمين ليُلقي بنفسه وذريته في “ضيق الدين” في بلاد الغرب!
قد يخطر ببالك أن الأولاد يمكن أن يقعوا في الكفر في بلاد المسلمين أيضًا، وهذا صحيح.
لكن نسبة عودتهم كبيرة، بعكس الولد أو البنت في الغرب؛ إن كفروا أو قرروا تغيير جنسهم فلن تعرف لهم طريقًا، والدولة تحميهم وتوفر لهم بيئة تجعل عودتهم شبه مستحيلة.
ثم إن نسبة الضالين في مجتمعاتنا قليلة جدًا، ونسبة عودتهم كبيرة.
كم من شاب أو فتاة ضلوا الطريق ثم عادوا بفضل الله، وعادة تكون عودتهم سريعة لأن المجتمع والأسرة والأجواء العامة تسمح بذلك.
بربك، أي المفاضلتين أرشد: أن يصبر المرء على جوع أو عسر وهو موحد بين موحدين، أم أن يرتع في قصور وسيارات فاخرة وهو يرى ابنه يكفر أو يتحول لأنثى، وابنته تضيع في أحضان الكفار أو تتحول لذكر، ولا يملك حتى رفاهية الإنكار باللسان لأن بعض الدول تعاقب الأسرة على ذلك؟
“أكذوبة الغرب المتحضر” تسقط أمام حقيقة أنهم يخطفون الأطفال بحجة “صفعة” أو “شتم”، بينما يباركون ويصمتون عن إبادة آلاف الأطفال في غزة.
كيف يُؤتمن من هذا حاله على دين أو نفس؟
الفرق بين الدول العربية ودول الغرب هو الفرق بين “النجاة بالدين” مع ضعف في الدنيا، وبين “الهلاك بالدنيا”.
الغرب: دار فتنة كبرى، السيادة فيها للهوى والقوانين التي تحارب الفطرة، والذرية فيها ضائعة لا محالة إلا من رحم الله وقليل ما هم.
الدول العربية: دار إسلام وأمان عقدي، السيادة فيها للسمت العام الإسلامي، والوالدان فيها يملكان سلطة التربية، والرزق فيها وإن قل فإنه محفوظ بالبركة والسلامة من دعم الأعداء.
في بلاد الإسلام: يبقى الطفل مرتبطًا بسلسلة من الهوية واللغة والدين، حتى لو وقع في المعاصي، فإنه يعلم أن المنكر منكر، وأن مرجعيته هي الكتاب والسنة.
الحاصل أن الفارق كالفارق بين الثرى والثريا، وبين السماء والأرض.
لا ينكر هذا إلا معاند مكابر آثر عرض الدنيا الزائل على سعادة الآخرة الباقية.
واعلم أن “مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا”، ومن هلك دينه فقد خسر كل شيء.
ثانيًا: خطر الهجرة بالبنات في سن المراهقة
المرأة في الغرب تُعامل كـ”سلعة” في سوق المادية، ويُنزع الحياء من الفتيات باسم التحرر.
في ظل القيم الغربية السائلة، ستواجه بنتاك ضغوطًا هائلة في المدارس والمجتمع للانخراط في علاقات محرمة، أو التخلي عن الحجاب، أو التمرد على سلطتك الأبوية بدعم كامل من القانون.
أنت لا تملك الإنكار والمنع، بل مجرد الكلام قد يدخلك السجن. هناك يعطونهم أرقام هواتف للشكوى، ويستجوبونهم لانتزاع أي كلمة حول سوء المعاملة.
الحفاظ على حياء ابنتيك ودينهما لا يعدله ملك الدنيا بأكمله، فكيف بمن يغامر بهما من أجل “راتب أكبر”؟
ثالثًا: فخ المنافع الاقتصادية وضياع البركة
أنت تعمل في شركة كبرى وبراتب جيد، والحمد لله تعيشون حياة معقولة.
البركة ليست في كثرة الأرقام، بل في “كفاية المال وصلاح الأهل”.
وهم الثراء: ما يدفعه صديقك في هولندا من ضرائب وإيجارات وتكاليف معيشة قد يجعل الفائض المادي أقل مما تتخيل، لكن الثمن الذي ستدفعه من دينك وأعصابك وقلقك على أبنائك باهظ جدًا.
المنظور الشرعي للرزق: الرزق مكفول في مصر كما هو مكفول في هولندا، لكن الله أمرنا بحفظ الدين أولًا.
الإقامة في بلاد الكفر من أجل المال وحده مخاطرة نهى عنها العلماء؛ فقد نقل الإمام الونشريسي اتفاق أئمة المذهب المالكي على وجوب الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وحذر من فتنة الإقامة هناك لمن خاف على دينه وذريته.
رابعًا: حقيقة مستقبل الأطفال
يظن كثيرون أن المستقبل هو “الشهادة الغربية” أو “الجنسية”، لكن المستقبل الحقيقي للطفل هو أن يلقى الله وهو مسلم موحد.
كم من طفل هاجر به والداه وهو صغير، فلما كبر تنكر لوالديه، ورفض دينهما، وصار جزءًا من مجتمع لا يعرف للوالدين حقًا ولا للخالق قدرًا. هؤلاء الأطفال سيسألونك يوم القيامة: لماذا وضعتنا في هذه الفتنة؟
الخلاصة
أخي الكريم، نصيحتي لك التي أدين بها لله: ابقَ في مصر، وحافظ على أسرتك وأبنائك.
أنت في نعمة لا يدركها صديقك المغترب؛ تعيش في “أرض الإسلام”، وبين أهلك، وتملك القدرة على تربية أبنائك على عينك. لا تبيعنّ يقينك بشك، ولا تبيعنّ دين أبنائك بعرض من الدنيا زائل.
“أكذوبة الغرب المتحضر” غلاف لامع يخفي واقعًا من ضياع الهوية وتمزق الأسر. استمر في عملك، واجتهد في تربية أبنائك، واعلم أن القليل مع الدين هو الكثير، والكثير مع ضياع الدين هو الفقر الحقيقي.
الحمد لله الذي بصّرك بالخطر قبل الوقوع فيه، وأسأل الله أن يبارك لك في رزقك وفي أبنائك.
الزم بلدك، واصبر على ما فيه، فالسلامة في الدين لا يعدلها شيء.
تنبيه هام
من نافلة القول أننا حين نسوق هذه الحقائق عن واقع العيش في ديار الغرب، لا نقصد تجريحًا لإخواننا وأخواتنا المقيمين هناك، ولا نصم كل الأسر بصفات النقص أو التفريط؛ معاذ الله أن نغفل عن “الجهاد العظيم” الذي تخوضه الأسر المسلمة اليوم في تلك البلاد للحفاظ على دين أبنائها وفطرتهم.
أنا أدرك تمامًا حجم الثبات والمجاهدة التي يبذلها هؤلاء في محاضن الفتن، وهي والله عبادة جليلة وتثبيت يُذكر فيُشكر.
لكننا، انطلاقًا من واجب النصح والأمانة الشرعية، نصف حالات شائعة، وحقائق ملموسة، وبيئة قانونية واجتماعية تتربص بالذرية تربصًا، مما يجعلنا ندعوكم بقلب مشفق وبصوت الحق الصارخ للبحث عن مخرج والعودة لديار المسلمين؛ لا تقليلًا من صمودكم، بل يقينًا بأنكم في “خطر عظيم” يصعب معه الاستمرار، وخوفًا من مآلات قد لا تنفع معها المجاهدة الفردية أمام طوفان المنظومات التي تستهدف هدم العقيدة.
سلامة الدين والذرية هي الغاية الكبرى التي تهون دونها كل مشاق الهجرة والاغتراب.

