بعد انفجار فضائح جيفري إبستين، وانكشاف أن جزيرة كاملة كانت مستنقعاً لاغتصاب الأطفال والقاصرات يرتادها رؤساء ومليارديرات ومشاهير “التنوير”، كان المنتظر أن يتوارى المدافعون عن النموذج الغربي خجلاً ولو لبرهة.
لكن الذي حصل هو العكس تماماً: خرج علينا إبراهيم عيسى بعد هذه الفضيحة العالمية لا ليحاكم المنظومة التي أنتجت إبستين، بل ليهاجم الشريعة الإسلامية!
ولم يجد في هذا الزلزال الأخلاقي الذي هز أركان النخبة الغربية إلا مدخلاً للطعن في المسلمين الذين يسميهم “السلفيين والإخوان”، محاولاً الإيحاء بأن ما جرى في جزيرة الشيطان هو “حلم السلفي” الذي يتحقق في أمريكا!

إننا أمام حالة نموذجية لما يمكن تسميته “متلازمة ستوكهولم الفكرية”، حيث يستميت المغلوب في الدفاع عن “أخلاق” الغالب حتى وهو يراه غارقاً في أبشع صور القذارة البشرية.
وهذا المقال محاولة لتفكيك هذا الخطاب المدلّس، ووضع الأمور في نصابها الحقيقي.
أولاً: مغالطة رجل القش — حين يُصنع إسلامًا وهميًا ليُهاجمه
أول ما يواجهك في خطاب إبراهيم عيسى هو مغالطة “رجل القش” الكلاسيكية. فالرجل صنع صورة مشوهة عن الشريعة الإسلامية، ثم راح يهاجم هذه الصورة التي اختلقها بنفسه، ليوهم المشاهد أن إبستين ما هو إلا نسخة أمريكية من “السلفي الذي يحلم بالجواري”. وهذا لعمري قمة الانحدار المنهجي.
فالشريعة التي يهاجمها عيسى هي نفسها التي تضع عقوبة رادعة للمغتصب، وتحرّم الزنا وتجعله من الكبائر، وتغلق أبواب الخلوة والاختلاط المحرم، وتجعل حفظ العرض من الضرورات الخمس التي تُبذل دونها الأرواح. فكيف يكون من يحرّم الوسيلة والغاية معاً هو من “يحلم” بجريمة إبستين؟
أما خلطه المتعمد بين “ملك اليمين” في سياقه التاريخي وبين اختطاف القاصرات واغتصابهن في جزيرة معزولة، فهو تدليس مكشوف لا يصمد أمام أدنى تأمل.
الإسلام حين جاء وجد العالم كله غارقاً في عبودية مطلقة، فضيّق منابع الرق وحصرها في أضيق الحدود، ثم جعل عتق الرقبة كفارة لكل ذنب، وجعل للجواري حقوقاً في النفقة والكسوة والمعاملة الإنسانية لا تملكها المرأة الحرة في قوانين الرومان والفرس.
أين هذا من عصابة تقوم على الخطف والتخدير والاستغلال الجنسي القسري والمتاجرة بالأعراض كسلع؟
ثانياً: أسطورة “تطهير البيت الغربي” — حين يُمدح القاتل لأنه اعترف بالجثث
من أطرف ما يردده إبراهيم عيسى ومن على شاكلته أن “الغرب هو من كشف الفضيحة”، وكأن هذا دليل على نزاهة المنظومة!
والحقيقة أن إبستين ظل يمارس جرائمه لأكثر من عقدين تحت سمع وبصر المخابرات المركزية والأجهزة الأمنية والنخبة السياسية. لم يسقط بفضل “شفافية الديمقراطية”، بل سقط بعد أن انتهت صلاحيته وأصبحت رائحته تزكم الأنوف لدرجة يستحيل معها التستر أكثر. وما يسميه عيسى “بطولة الصحافة” هو في حقيقته نتاج صراع أجنحة داخل مراكز القوى، حيث استُخدمت الملفات لتصفية حسابات سياسية.
فأي شفافية هذه حين يكون التستر قد استمر عقوداً؟ وأي عدالة حين “ينتحر” إبستين في زنزانته المحروسة بكاميرات معطلة وحراس نائمين، بعد نقل رفيق زنزانته بساعات؟ وأي محاسبة حين تُخفى أسماء كبار المتورطين وتُكشف أسماء الضحايا، ولا يُحاكَم أحد من النخبة؟ هل من النزاهة أن نمدح القاتل لأنه اضطر أخيراً للاعتراف بالجثث بعد أن ملأت رائحتها المكان؟
والسؤال الذي لا يجرؤ عيسى على طرحه: هذا التوثيق كله لشخص واحد فقط… فكم “إبستين” آخر لم يُكشف بعد؟
ثالثاً: “أنتم الأسوأ” — الأكذوبة الكبرى
جوهر خطاب إبراهيم عيسى ومن يشبهونه يتلخص في رسالة واحدة: “لا تفرحوا بفضائحنا، فأنتم مثلنا أو أسوأ!”
وهذه الرسالة تستحق أن نتوقف عندها، لأنها تطلب منك أن تصدق أنك “الأسوأ” رغم كل ما يلي:
أنت الأسوأ حتى لو قتل هذا الغرب الملايين من السكان الأصليين في أمريكا وأستراليا ومحاهم من الوجود.
وحتى لو أشعل حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من مائة مليون إنسان واستخدم السلاح النووي على المدنيين.
وحتى لو استعبد أفريقيا وشحن أهلها في سفن الموت ليبنوا نهضته على جثثهم.
وحتى لو نهبت بريطانيا الهند وتسبب تشرشل في مجاعات أبادت الملايين.
وحتى لو استعمرت فرنسا الجزائر مائة واثنين وثلاثين عاماً وقتلت ملايين الشهداء.
وحتى لو غزت أمريكا العراق بكذبة ودمرت بغداد وحولت سجن أبو غريب إلى ساحة تعذيب.
وحتى لو موّل الكونغرس الاحتلال بمليارات الدولارات بينما الأطفال يُحرقون في خيامهم في غزة.
أنت الأسوأ حتى لو أسس هذا الغرب صناعة الإباحية وقنّن الدعارة وحماها بالقانون، وحتى لو ارتكب قساوسته جرائم تفوق إبستين بمراحل — ثلاثمائة ألف طفل تعرضوا للاغتصاب والتحرش في الكنائس وحدها — وحتى لو أباح التحول الجنسي للأطفال ودعمه بالقانون والمال والإعلام بينما يتباكى على القاصرات في ملف إبستين.
أنت الأسوأ رغم كل هذا. وعليك أن تشاهد وتصفق لـ “شفافية” السيد الغربي!
هذا هو ما يريدون إقناعك به. وهذا تحديداً ما يفضح حقيقة خطابهم.
رابعاً: لماذا يفعلون هذا؟ — حين يكون سقوط النموذج سقوطاً شخصياً
لفهم دوافع إبراهيم عيسى وأمثاله، يجب أن تدرك أن هؤلاء المستغربين بنوا كل رأس مالهم الفكري على ترويج النموذج الغربي. قضوا عقوداً يرددون أن الغرب تقدم لأنه تخلص من الدين، وأن الديمقراطية تعني الشفافية والمحاسبة. وبعد فضائح إبستين — وقبلها فضائح الكنائس وأبو غريب وغوانتانامو — انهار كل هذا البناء.
لو اعترفوا بالحقيقة، سيعترفون بأنهم ضيّعوا أعمارهم في الترويج لوهم، وأنهم كانوا أبواق دعائية لمنظومة تتسّتر على الجرائم، وأن الإسلام الذي حاربوه كان يملك إجابات حقيقية. ولذلك لم يبقَ أمامهم إلا الهجوم: اختلق عيباً في الإسلام لتنجو من الاعتراف بعيوب من تقدسهم.
وتأمل نمط الازدواجية عندهم: حين تكون المشكلة غربية يقولون “تصرفات فردية لا تطعن في الحضارة”، وحين يخطئ مسلم واحد يقولون “إرهاب إسلامي وجذور حضارية عميقة”.
إبادة الهنود الحمر تصرفات فردية، ونهب أفريقيا تصرفات فردية، والقنابل الذرية تصرفات فردية، وجزيرة إبستين تصرفات فردية… لكن مسلماً واحداً يخطئ فتقوم الدنيا ولا تقعد!
خامساً: تفنيد الحجج الواهية
“عندكم مثله لكنه مخفي”
يقولون: عند المسلمين مثل إبستين لكنهم يخفونه، والغرب أكثر شفافية.
والرد بسيط: أين الدليل؟ أين الأسماء والملفات والتوثيق؟ هذا تخمين بلا أي سند.
والأغرب أنك حين تنظر في قوائم المتورطين في فضيحة إبستين لن تجد فيها عالم دين مسلماً واحداً، ولا داعية، ولا أي ممثل لجماعة إسلامية.
القائمة تضم رؤساء ومليارديرات ومشاهير من النخبة الغربية. بل إن كثيراً من الأسماء المتورطة هي لنفس الأشخاص الذين كانوا يحذروننا من “الإرهاب الإسلامي” ويعطوننا دروساً في الأخلاق! فتأمل كيف تتساقط الأقنعة.
“الزواج المبكر عندكم أسوأ”
وهذه مقارنة لا تصمد لحظة واحدة أمام العقل. الزواج في الإسلام يتم برضا الفتاة ووليها، ولها مهرها وحقوقها وكرامتها وبيتها، وزوجها ينفق عليها ويصونها. أما ما جرى في جزيرة إبستين فهو استغلال فتيات وُضعن في جزيرة معزولة ليصبحن دُمى بأيدي فجّار، كل يوم مع رجل مختلف، حتى تُصاب إحداهن بالأمراض أو تنتحر أو تُقتل. فأين وجه المقارنة أصلاً؟
والأعجب هو تناقض “صنم الرضا” عندهم: فتاة في الخامسة عشرة ترضى بالزواج الشرعي يسمونه “اغتصاباً ورجعية”، ونفس الفتاة لو رضيت بعلاقة خارج الزواج يسمونه “حرية واستكشافاً”، وطفل يرضى بتغيير جنسه يسمونه “شجاعة يستحق الدعم”! فإن كان الرضا هو المعيار، فلماذا يُقبل في الانحراف ويُرفض في الزواج الشرعي؟
“منع الفواحش يصنع منافقين”
يقولون: القمع يخلق مجتمع نفاق، والحل هو إطلاق الحريات.
وشاء الله أن تضرب فضيحة إبستين في قلب المجتمع الأكثر “حرية” في العالم!
النخبة الغربية في بلاد الديمقراطية والانفتاح كانت تمارس في السر ما تأنف منه أي فطرة بشرية.
فها هي “الحرية المطلقة” أنتجت هي الأخرى مجتمعاً من المنافقين.
والسبب بسيط: رغبات الإنسان لا حدود لها، ولو أُطلق لها العنان بلا رابط رباني فلن يشبعها شيء. ولذلك كان سد الذرائع هو الحل لا فتح الأبواب.
سادساً: المأزق الفلسفي — أخلاق سائلة أمام يقين ثابت
المأزق الحقيقي الذي يهرب منه إبراهيم عيسى هو سؤال الأساس الأخلاقي: إذا كان الدين “علاقة شخصية” لا تحكم المجتمع كما تنادي العلمانية، فمن أين يأتي المعيار الذي نحاكم به إبستين؟
مشكلة الغرب مع إبستين ليست في الزنا — فالزنا عندهم حق شخصي — وليست في الدعارة — فهم يشرعنونها تحت مسمى “العمل الجنسي”.
مشكلتهم تقنية بحتة: العمر القانوني واختلال ميزان القوى.
هم يحاكمون إبستين لأنه خالف المسطرة القانونية. أما نحن فنحاكمه لأنه هدم الفطرة.
في عالم مادي بحت لا يعترف بمرجعية عليا، القوة هي الحق. وإبستين كان يملك القوة والمال والنفوذ، فبأي منطق علماني صرف نخطّئه؟
إن كانت الأخلاق نسبية تتغير بتغير القوانين، فقد يأتي يوم يُخفَّض فيه سن الرضا القانوني — وبعض “التنويريين” يطالبون بذلك فعلاً — فتصبح جرائم الأمس حقوقاً مشروعة!
الإسلام وحده يقدم أخلاقاً مطلقة مستمدة من الوحي لا تتغير بتغير موازين القوى أو ثراء الأشخاص.
الزنا عندنا جريمة سواء كان مع بالغة أو قاصرة، وسواء كان برضاها أو بإكراهها. لا نحتاج لانتظار نتائج تحقيقات لنعرف أن الفعل قبيح في ذاته.
وهذا تحديداً ما يزعجهم: لا يحاربوننا لأننا خالفنا “الأخلاق”، بل لأننا نملك أخلاقاً ثابتة تكشف زيف أخلاقهم المتحولة.
سابعاً: الترف والمترفون — السنة الإلهية التي لا تتخلف
ممارسات رواد جزيرة إبستين ليست مجرد أزمة أفراد، بل هي أزمة الترف حين يغيب الوازع الديني. والمُترف في لغة القرآن هو من أطغاه غناه، والفجور والطغيان مرتبطان دائماً بالمترفين. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾. إبستين وجزيرته ليسا استثناءً عن الحضارة الغربية، بل هما ثمرتها الطبيعية: حضارة مادية فصلت اللذة عن المسؤولية، ونزعت القداسة عن الجسد البشري، وجعلت الإنسان مادة للاستهلاك.
كلمة أخيرة
إلى كل مسلم يحاولون كسر عزيمته بعد هذه الفضائح: لا تنكسر. هم يهاجمونك لأن صمودك يفضحهم.
من عجز عن حماية كرامة الأطفال في جزيرة معزولة أمام ثلة من الأثرياء، ليس مؤهلاً ليعطي دروساً في الأخلاق لأمة تضع العرض في مرتبة الضرورات التي تُبذل دونها الأرواح.
وإلى إبراهيم عيسى ومن يشبهه: سيدكم الغربي فضحكم قبل أن تفضحوا أنفسكم.
وما حصل في فلسطين من مجازر أعظم بكثير مما حصل في جزيرة إبستين، فلو كان عندكم ذرة إنصاف لبدأتم من هناك.
إن ملفات إبستين لم تكن مجرد جريمة رجل واحد، بل كانت مرآة تعكس تعفّن النخبة التي تدّعي الوصاية الأخلاقية على العالم. وتثبت أن الانفصال عن قيم التوحيد والفطرة لا ينتج إلا وحوشاً يرتدون بدلات فاخرة.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾
وهذه حلقة تفصيلية تحدثت فيها عن هذا الموضوع

