” ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة ، وحسنات مبرورة ، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع ، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين : ما لا يخفى على من عرف أحوالهم ، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.

لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة ، وهم فضلاء عقلاء: احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه ، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين .

وصار الناس بسبب ذلك :

منهم من يعظمهم ، لما لهم من المحاسن والفضائل .

ومنهم من يذمهم ، لما وقع في كلامهم من البدع والباطل .

وخيار الأمور أوساطها .

وهذا ليس مخصوصاً بهؤلاء ، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين ، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ، ويتجاوز لهم عن السيئات : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [الحشر/10] .

ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخطأ في بعض ذلك : فالله يغفر له خطأه ، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا (البقرة: 286) .

ومن اتبع ظنه وهواه ، فأخذ يشنع على من خالفه ، بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده ، وهو من البدع المخالفة للسنة : فإنه يلزمه نظير ذلك ، أو أعظم ، أو أصغر ، فيمن يعظمه هو من أصحابه ، فقل من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين، لكثرة الاشتباه والاضطراب ، وبعد الناس عن نور النبوة ، وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب ، ويزول به عن القلوب الشك والارتياب ..” انتهى “.

درء تعارض العقل والنقل” (2/102-103) .

Comments are closed.